أسعد السحمراني

145

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

تبدأ الحكاية عند مسكويه بمنهج يلتقي فيه مع سقراط ، ومفاده أن يعكف الفرد أولا على نفسه قبل أي شيء يسبر أغوارها ، ويفهم كنهها ، لأن معرفة النفس ، سواء لجهة قواها وقدراتها ، أو لجهة أهميتها في تحقيق إنسانية الإنسان ، إذا سمت فوق عالم المادة إلى الروح والمثل العليا ، فإنّها ترقى بالإنسان إلى حيث يجب أن يكون ، ولذا يوجّه خطابا عاما قائلا : « ينبغي أن نعرف نفوسنا ما هي ولأي شيء ؟ » « 1 » . لكن خطوة المعرفة هذه غير كافية ، ولكنها تمهيد نظري للممارسة وفق هذه المفاهيم النظرية المستندة إلى المعرفة ، وهذه قاعدة إسلامية ملزمة للمؤمن الذي يتوجب عليه أن يقرن القول والمعرفة بالفعل والممارسة ، وألا يكون القول والمعرفة كلاما لا فائدة منه . وهذا ما يستفاد من الآية الكريمة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ « 2 » . فالفضيلة تتحقّق بالعلم والعمل ، وبالمعرفة والسلوك ، ومن غير المختلف فيه أنه « ليس يتمّ أحدهما إلّا بالآخر ، لأن العلم مبدأ والعمل تمام ، والمبدأ بلا تمام يكون ضائعا » « 3 » . إن المبادئ الأخلاقية وإن كانت تنطلق من المعرفة ، ولكن هذه المعرفة الخلقية ليست مستندة إلى تجارب حسّيّة تستخلص منها القواعد ، فمع اعتماد الإدراك على معطيات الحسّ إلّا أن الإدراك المتعلّق بفلسفة الأخلاق ومبادئها مسألة من النفس ذاتها كأنه له وجود سابق قبلي ؛ أي كأن قيم الأخلاق قد فطرت عليها النفس ومنها تستمد ، فهي المصدر الأول لتحديد المعيار الذي يقاس عليه كل عمل لنعرف هل هو أخلاقي أم لا ؟ .

--> ( 1 ) مسكويه ، م . س ، ص 39 . ( 2 ) سورة الصف ، آية 2 ، 3 . ( 3 ) مسكويه ، م . س ، ص 40 .